الشوكاني

192

فتح القدير

كلمة الله عليه لكان له بالملائكة المطيعين لهذا الأمر أسوة وقدوة ، فعنصرهم النوري أشرف من عنصره الناري ، وجملة ( قال فاهبط ) استئنافية كالتي قبلها ، والفاء لترتيب الأمر بالهبوط على مخالفته للأمر : أي اهبط من السماء التي هي محل المطيعين من الملائكة الذين لا يعصون الله فيما أمرهم إلى الأرض التي هي مقر من يعصي ويطيع ، فإن السماء لا تصلح لمن يتكبر ويعصي أمر ربه مثلك ، ولهذا قال ( فما يكون لك أن تتكبر فيها ) . ومن التفاسير الباطلة ما قيل إن معنى ( اهبط منها ) أي اخرج من صورتك النارية التي افتخرت بها صورة مظلمة مشوهة ، وقيل المراد هبوطه من الجنة ، وقيل من زمرة الملائكة ، وجملة ( فأخرج ) لتأكيد الأمر بالهبوط ، وجملة ( إنك من الصاغرين ) تعليل للأمر : أي إنك من أهل الصغار والهوان على الله وعلى صالحي عباده وهكذا كل من تردى برداء الاستكبار عوقب بلبس رداء الهوان والصغار . ومن ليس رداء التواضع ألبسه الله رداء الترفع ، وجملة ( قال أنظرني إلى يوم يبعثون ) استئنافية كما تقدم في الجمل السابقة : أي أمهلني إلى يوم البعث ، وكأنه طلب أن لا يموت ، لأن يوم البعث لا موت بعده ، والضمير في ( يبعثون ) لآدم وذريته ، فأجابه الله بقوله ( إنك من المنظرين ) أي الممهلين إلى ذلك اليوم ، ثم تعاقب بما قضاه الله لك ، وأنزله بك في دركات النار . قيل الحكمة في إنظاره ابتلاء العباد ليعرف من يطيعه ممن يعصيه ، وجملة ( قال فبما أغويتني ) مستأنفة كالجمل السابقة واردة جوابا لسؤال مقدر ، والباء في ( فبما ) للسببية والفاء لترتيب الجملة على ما قبلها ، وقيل الباء للقسم كقوله ( فبعزتك لأغوينهم أجمعين ) أي فباغوائك إياي ( لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) والإغواء : الإيقاع في الغي ، وقيل الباء بمعنى اللام ، وقيل بمعنى مع . والمعنى : فمع إغوائك إياي ، وقيل ( ما ) في ( فبما أغويتني ) للاستفهام . والمعنى : فبأي شئ أغويتني والأول أولى . ومراده بهذا الإغواء الذي جعله سببا لما سيفعله مع العباد هو ترك السجود منه وأن ذلك كان بإغواء الله له ، حتى اختار الضلالة على الهدى ، وقيل أراد به اللعنة التي لعنه الله : أي فبما لعنتني فأهلكتني لأقعدن لهم ومنه - فسوف يلقون غيا - أي هلاكا . وقال ابن الأعرابي : يقال غوى الرجل يغوي غيا : إذا فسد عليه أمره أو فسد هو في نفسه ، ومنه - وعصى آدم ربه فغوى - أي فسد عيشه في الجنة ( لأقعدن لهم ) أي لأجهدن في إغوائهم حتى يفسدوا بسببي كما فسدت بسبب تركي السجود لأبيهم . والصراط المستقيم هو الطريق الموصل إلى الجنة ، وانتصابه على الظرفية : أي في صراطك المستقيم كما حكى سيبويه ضرب زيد الظهر والبطن ، واللام في ( لأقعدن ) لام القسم ، والباء في ( بما أغويتني ) متعلقة بفعل القسم المحذوف : أي فبما أغويتني أقسم لأقعدن . قوله ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) ذكر الجهات الأربع لأنها هي التي يأتي منها العدو عدوه ، ولهذا ترك ذكر جهة الفوق والتحت ، وعدى الفعل إلى الجهتين الأوليين بمن ، وإلى الآخريين بعن ، لأن الغالب فيمن يأتي من قدام وخلف أن يكون متوجها إلى ما يأتيه بكلية بدنه ، والغالب فيمن يأتي من جهة اليمين والشمال أن يكون منحرفا ، فناسب في الأوليين التعدية بحرف الابتداء ، وفى الأخريين التعدية بحرف المجاوزة ، وهو تمثيل لوسوسته وتسويله بمن يأتي حقيقة ، وقيل المراد ( من بين أيديهم ) من دنياهم ( ومن خلفهم ) من آخرتهم ( وعن أيمانهم ) من جهة حسناتهم ( وعن شمائلهم ) من جهة سيئاتهم واستحسنه النحاس . قوله ( ولا تجد أكثرهم شاكرين ) أي وعند أن أفعل ذلك لا تجد أكثرهم شاكرين لتأثير وسوستي فيهم وإغوائي لهم ، وهذا قاله على الظن ومنه قوله تعالى - ولقد صدق عليهم إبليس ظنه - ، وقيل إنه سمع ذلك من الملائكة فقاله ، وعبر بالشكر عن الطاعة أو هو على حقيقته وأنهم لم يشكروا الله بسبب الإغواء ، وجملة ( قال اخرج منها ) استئناف كالجمل التي قبلها أي من السماء أو الجنة أو من بين الملائكة كما تقدم ( مذءوما ) أي مذموما من ذأمه إذا زمه يقال ذأمته وذممته